صديق الحسيني القنوجي البخاري

81

فتح البيان في مقاصد القرآن

التوبيخي مع ما يستفاد منها من التحضيض على القتال والمبالغة في تحققه ، والمعنى أن من كان حاله كحال هؤلاء من نقض العهد فهو حقيق بأن لا يترك قتاله وأن يوبخ من فرط في ذلك . وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة لكن لم يخرجوه بل خرج باختياره بإذن اللّه له في الهجرة ، وتقدم أنهم هموا بأحد أمور ثلاثة ، قتله وحبسه وإخراجه ، وإنما اقتصر هنا على الهم بالإخراج لأنه هو الذي وقع أثره في الخارج بحسب الظاهر ، وكانت دار الندوة مكان اجتماع القوم للتحدث وكان قد بناها قصي وقد أدخلت الآن في المسجد فهي مقام الحنفي الآن . وَهُمْ بَدَؤُكُمْ بالقتال أَوَّلَ مَرَّةٍ أي يوم بدر ، قال مجاهد : قتال قريش حلفاء النبي صلى اللّه عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول ، زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في العام التاسع للحديبية نكثت قريش العهد عهد الحديبية وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوه منها فذلك همهم بإخراجه فلم تتابعهم خزاعة على ذلك ، فلما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن إخراجه فقاتلوهم فقتلوا منهم رجالا . أَ تَخْشَوْنَهُمْ الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي أتخشون أن ينالكم منهم مكروه فتتركون بقتالهم لهذه الخشية ، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه فقال : فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي هو أحق بالخشية منكم فإنه هو الضار النافع في الحقيقة ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله ، فإن قضية الإيمان توجب ذلك عليكم . ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ورتب على هذا الأمر فوائد : الأولى : تعذيب اللّه للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر . والثانية : إخزاؤهم قيل بالأسر وقيل بما نزل بهم من الذل والهوان . والثالثة : نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم . والرابعة : إن اللّه يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره . والخامسة : إنه سبحانه يذهب بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور الجالبة للغيظ وحرج الصدر . فإن قيل شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما بمعنى فيكون تكرارا . قيل في الجواب : إن القلب أخص من الصدر ، وقيل : إن شفاء الصدور إشارة إلى الوعد بالفتح ، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به فيه شفاء للصدور ،